2008年2月13日 星期三


الأيام هو كتاب يحكي قصة حياة الأديب طه حسين وهو كاتبه . و يشكّل الكتاب رافدًا من أهم روافد كتابة السيرة الذاتية كفن ٍ في الأدب العربي ، و يحكي المؤلف فيه ما دار في حياته من أحداث منذ نشأته حتى انتهائه من كتابة الكتاب الذي نُشر عام 1929 م.
مقتطفات من كتاب " الأيام " ... إعداد / محمد هلال الخالدي
الأيام كان سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه ، وخامس أحد عشر من أشقته . وكان يشعر بأن له بين هذا العدد الضخم من الشباب والأطفال مكاناً خاصاً يمتاز من مكان إخوته وأخواته . أكان هذا المكان يرضيه ؟ أكان يؤذيه ؟ الحق أنه لا يتبين ذلك إلا في غموض وإبهام ، والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم في ذلك حكماً صادقاً . كان يحس من أمه رحمة ورأفة ، وكان يجد من أبيه ليناً ورفقاً ، وكان يشعر من أخوته بشيء من الاحتياط في تحدثهم إليه ومعاملتهم له . ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئاً من الإهمال أحياناً ، ومن الغلظة أحياناً أخرى . وكان يجد إلى جانب هذا اللين والرفق من أبيه شيئاً من الإهمال أيضاً ، والازورار من وقت إلى وقت . وكان احتياط إخوته وأخواته يؤذيه ، لأنه كان يجد فيه شيئاً من الإشفاق مشوباً بشيء من الازدراء . على أنه لم يلبث أن تبين سبب هذا كله ، فقد أحسّ أن لغيره من الناس عليه فضلاً ، وأن إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع ، وينهضون من الأمر لما لا ينهض له . وأحس أن أمه تأذن لإخوته وأخواته في أشياء تحظرها عليه ، وكان ذلك يحفظه . ولكن لم تلبث هذه الحفيظة أن استحالت إلى حزن صامت عميق ، وذلك أنه سمع إخوته يصفون ما لا علم له به ، فعلم أنهم يرون ما لا يرى . كان من أمره طلعةً لا يحفل بما يلقى من الأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم . وكان ذلك يكلفه كثيراً من الألم والعناء . ولكن حادثة واحدة حدّت ميله إلى الاستطلاع ، وملأت قلبه حياءً لم يفارقه إلى الآن . كان جالساً إلى العشاء بين إخوته وأبيه ، وكانت أمه كعادتها تشرف على حفلة الطعام ، ترشد الخادم وترشد أخواته اللائى كن يشاركن الخادم في القيام بما يحتاج إليه الطاعمون . وكان يأكل كما يأكل الناس . ولكن لأمر ما خطر له خاطر غريب ! ما الذي يقع لو أنه أخذ اللقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها كعادته بيد واحدة ؟ وما الذي يمنعه من هذه التجربة ؟ لا شيء ، وإذاً فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبق المشترك ثم رفعها إلى فمه . فأما إخوته فأغرقوا في الضحك . وأمّا أمه فأجهشت بالبكاء . وأما أبوه فقال في صوت هادئ حزين : ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني ... وأما هو فلم يعرف كيف قضى ليلته . من ذاك الوقت تقيدت حركاته بشيء من الرزانة والإشفاق والحياء لا حذّ له . ومن ذلك الوقت عرف لنفسه إرادة قوية . ومن ذلك الوقت حرّم على نفسه ألواناً من الطعام لم تبح له إلا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين . حرّم على نفسه الحساء والأرز ، وكل الألوان التي تؤكل بالملاعق ، لأنه كان يعرف أنه لا يحسن اصطناع الملعقة ، وكان يكره أن يضحك إخوته ، أو تبكي أمه ، أو يعلمه أبوه في هدوء حزين . هذه الحادثة أعانته على أن يفهم حقاً ما يتحدث به الرواة عن أبي العلاء [ المعري ] من أنه أكل ذات يوماً دِبساً ، فسقط بعضه على صدره وهو لا يدري ، فلما خرج إلى الدرس قال له بعض تلاميذه : يا سيدي أكلت دبساً ، فأسرع بيده إلى صدره وقال : نعم قاتل الله الشره . ثم حرّم الدبس على نفسه طوال الحياة .
طه حسين – الأيام

沒有留言: